في كل كتب التحضيرات للحج كفريضة ستجد أن تعريف الحج هو القصد؛ الذهاب بجسدك إلى عدة أماكن ذات قدسية لتأدية مناسك محددة، كل منسك له قصة وماضٍ ما.
لكن المنسك الأهم الذي لن تقوم به بشكل مباشر هو زيارتك لقدس الأقداس بداخلك؛ تطلق سهمًا تظنه متجهًا إلى هدف في الخارج، لكنه ينطلق صامتًا إليك، نحو قلبك، نحو ذلك الجوهر الذي تحاول إخفاءه، وما إن ظننت أنك نجحت، حتى تعرّى أمامك بكل سفور.
تبدأ الرحلة عندما تسجّل الخروج من حياتك المعتادة، تترك وراءك روتينك، قهوتك، تأمّلاتك وتوقعاتك المسبقة عن حدود قدرتك. بصفتي مولعة بالتخطيط وإعداد السيناريوهات لكل موقف وتوقّع كل ما يمكن أن يحدث، كان خوض تجربة غامضة كالحج بمثابة تحدٍّ، لذا تحايلت على عقلي الشغوف بالسيطرة وأخبرته أننا ذاهبان في مغامرة، لعبة ما، علينا فقط تجاوز كل مرحلة ثم التقدّم للتالية حتى نصل إلى خط النهاية. لم أكن أعلم حينها أنها كانت البداية فقط، نحو رحلة نهايتها القبر.
هناك، تشعر أنك أقرب إلى نفسك الأولى، تلك المخلوقة من طين. تتخلّى بسهولة عن كل ما ظننته هامًا ولا تستقيم الحياة بدونه؛ لم أكن أتخيّل أنني سأتخلى عن عادة غسل الأسنان بعد كل وجبة خلال الإحرام على سبيل المثال.
يتغيّر جدول المهام اليومية ليدور حول فلك العبادات؛ فمواقيت الصلاة هي المعيار الأوحد لجدول أعمالك. القرار الذي عليك اتخاذه هو أين ستصلّي مع الجماعة. ورغم أنني ما زلت وقتها متوهّمة أنني من يتخذ القرار، جاءت الحقيقة لتصدمني. الزحام في الحرم المكي مثلًا ينتزع منك قدرتك على اتخاذ القرار، فتسير مع الحشود حيثما ذهبوا كي تصل إلى مكان متاح تصلّي فيه (حتى لو كان السطح العلوي الشديد الحرارة). لست سيّد قرارك بعد الآن. هنا تتعلّم التسليم.
يكفي أن تعرف وجهتك، ثم تترك الباقي للخالق العليم وتُسلّمه مفاتيح أقدارك.
قبل الذهاب للنسك، قرأت كثيرًا عن جدوى كل عبادة وكل مشعر. التشبيه الذي أعجبني أنك ستزور الله، الملك، لذا عليك الاقتراب خطوة فخطوة لا الذهاب إليه مباشرة. رغم أنه معك في كل خطوة وأقرب إليك من حبل الوريد، لكنك الآن تريد العبادة كما طلبها، تجدّد عهد السمع والطاعة الذي أُخذ علينا نحن بني آدم منذ بدء الخليقة.
كان المخيم حينها ضيقًا، يسكنه ٥٠ شخصًا، لكنني كنت أُصبّر نفسي أنها ليلة واحدة، أو بالكاد عدة ساعات فسوف نستيقظ مع الفجر. التحدي الأول كان في مراعاة الإحرام؛ فحتى لو كتبوا على التوزيعات المجانية أن الصابون والمعجون بلا عطر، لن أُكذّب أنفي التي تشمّ رائحة النعناع والليمون. وتمثّل التحدي الثاني في محاولة النوم؛ فمع وجود ٥٠ امرأة تحت سقف واحد، لن تتمكّن خمسٌ منهنّ على الأقل من كبح شهوة الكلام، لذا هناك ضوضاء حتمية مستمرة طوال الليل. سيصيبهنّ الإرهاق بعد الفجر لتكون ساعات الضحى هي الأنسب لنوم عميق، لكن هيهات لساعتي البيولوجية أن تنصاع، لذا آثرت البقاء خارج الخيمة.
كانت السماء أرجوانية بلونٍ لم أره من قبل، ربما كان لون البحر في أحد أحلامي، لكن واقعًا لم ترَ عيناي بعدُ تلك الدرجة من البنفسجي في السماء. بدأت العصافير تستيقظ وهدأت ضوضاء الليلة الماضية، وكان الكون حينها مسبِّحًا. دعوت لكثيرين ممن كتبت أسماءهم خشية النسيان، ولآخرين يسكنون الذاكرة فلا حاجة لكتابة أسمائهم. شعرت حينها كأن الله يسمعني بحق، كأنه لم يخلق سواي رغم وجود الملايين حولي. ربما بكيت، لا أتذكر، لكنني شعرت بقوة تشبه قوة علاء الدين وهو يمسك بمصباحه السحري ويتمنّى — ولله المثل الأعلى — فها هو الله القدير العظيم يعدنا بالمغفرة بنهاية هذا اليوم، حتى لو لم نستحق، سيغفر، وسيعيد صفحتنا بيضاء بلا خطايا. أمنية أولى تحققت دون أن نستخدم أيًّا من الأمنيات الثلاث بعد.
يوم عرفة
تمرّ ساعات اليوم وتزداد الحرارة، ورغم ذلك يستمر الجسد البشري في حاجته لاستخدام الحمّام. وهنا تزداد المغامرة صعوبة؛ فمع وجود ٣ أماكن فقط مخصصة لقضاء الحاجة في المخيم، يجب التخطيط جيدًا، والتسليم أيضًا عند فشل كل التخطيطات. ينتظر الشيطان بأريحية عند طوابير الحمّام، ويستغلّ أصغر شرارة ليشعل عراكًا بين امرأتين تريدان فقط قضاء حاجتهما، لكن كلًّا منهما ترى أحقيتها في أن تكون الأولى.
أنتهي على خير من تلك المعركة، وأحمد الله على نسياني تلك الصابونة غير المعطّرة في جيب فستاني، فأستخدمها لغسل وجهي في محاولة بائسة لتقليل الشعور بالحرارة. النوم لساعتين قبل الزوال سيكون مفيدًا لحفظ طاقتي التي يجب تكريسها للدعاء حتى المغرب.
ينتصف اليوم، تزداد الحرارة، وأصبح أمام اختيارين: البقاء في المخيم المكيّف مع النساء وحديثهنّ الذي لا ينقطع، أو الخروج إلى الهواء الطلق الساخن ومحاولة التكيّف. أبهرني جسدي حينها بقدرته على تحمّل الحرارة، لكنني لن أنسب الفضل إلا لله الذي وفّق فأعان. فهذا الجسد الضئيل يكره الحرارة ويتأفّف منها، لكنه حين واجه تحدي البقاء بلا مكيّف توكّل على ربه وتحمّل (بمساعدة الحيلة القديمة التي تقتضي صبّ الماء البارد على الملابس كل فترة للاستمتاع ببعض البرودة اللحظية).
كانت فترة مليئة بالسلام؛ فأنت تناجي ربك وحدك، توقن أنه يسمعك، تخبره بهمومك وتطلب منه كل ما تريد، وتتمنى لو تدوم هذه الحال، لكنها ليست الجنة بعد.. ومع ذلك ترى الجنة قريبة كما لم تكن من قبل، كما قال رسولنا الحبيب إنها أقرب من شراك نعالنا. يسود الجلال والجمال المشهد كلما تنقّلت في المخيم — رغم العِراكات على وجبات الغداء وطوابير الحمّام — إلا أن الحال السائد هو عبادٌ لله جاؤوا يدعونه ويطلبون مستحيلاتهم منه، وهو الجليل اللطيف مالك الملك.
ينقضي اليوم وأذهب إلى جبل الرحمة كسائحة اعتراها الفضول، فقد دعوت من مكاني قرب المخيم وانتهى الأمر، إلا أنني شعرت بفضول شديد كي أرى الجبل الذي يتزاحم عليه الحجاج كل عام. لا يبدو حقيقيًا بالنسبة لي، فهو جبل صغير مقارنة بما رأيت من جبال، لكنه أكثر الجبال حظًا؛ فهنا وقف الحبيب محمد ﷺ وألقى أكثر الخطابات إيلامًا وهو يودّعنا جميعًا. عند مرأى الجبل، لن تملك دموعك ولا شوقك للقاء هذا الحبيب الذي أنقذنا جميعًا من النار، وكان إسلامنا هدية من الله إلينا. فاللهم اجمعنا به عند حوضك المرصود، واجعلنا نشرب من يديه الكريمتين شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا.
غربت الشمس، وانتهى اليوم، وغُفر لأهل المشعر جميعهم… وبدأ الآن تحدٍّ آخر.
السير بلا وجهة… وعبور الجنة
بمجرد وصولنا — لمِنى — بدأت رحلة البحث عن مخيمنا. نسير وكأننا بلا وجهة، كلٌّ منا يحمل حقائبه كأنما يحمل أوزاره وذنوبه. يطول الطريق، فكلما وصلنا بابًا وجدناه مغلقًا، فنكمل السير على غير هدى رغم أننا لا نبعد عن المخيم سوى أمتار قليلة.
تهون قيمة الأشياء التي نحملها، فيبحث كلٌّ منا فيما يحمل عمّا يمكن التخفّف منه؛ يُلقي أحدهم طعامًا، ويُلقي آخر مظلة، ويُلقي ثالث بعض الملابس. يستمر السير قرابة الساعة، وتبدأ الشمس في الصعود لتزداد الأجواء رطوبة وحرارة. لا يكلّم أحدنا الآخر إلا حين نتبادل إشارات السير الدالة على الدخول من هذا الطريق أو ذاك. تعلو الوجوه تعبيراتٌ واحدة: الحيرة، والإرهاق، وتمنّي الوصول بكل ما يحمل القلب من أمل.
﴿سلامٌ عليكم طِبتم فادخلوها خالدين﴾ — سورة الزمر
ينفتح الباب الصحيح أخيرًا، بعد سيرٍ بدا وكأنه بلا نهاية، فكأنما فُتح باب الجنة. في خضمّ ذلك، أفكّر أنه لولا هذه التجربة لما تخيّلت عرصات يوم القيامة؛ السير بلا هدى، ﴿يوم يفرّ المرء من أخيه · وأمه وأبيه · وصاحبته وبنيه﴾ (سورة عبس)، حين يغرق الناس في عرقهم، وحين تذهل كل مرضعة عمّا أرضعت.
وأثناء سيرنا المُوهِن — الذي زاد مشقّته أن أجسادنا متعبة بعد يوم عرفة الطويل والمبيت في مزدلفة دون نوم — تأتي ألطاف الله على شكل سيدةٍ تسير بلهفة متجهةً إليّ، يختلط عرقها ببقايا دموعها، تُمسك بذقني في رقة وتقول: «أنتِ تشبهينها بحق… ابنتي جنى!». تسير بجانبي بعض الوقت، ثم تختفي وسط الجموع. لا أدري لماذا بعثها الله لي في هذا الوقت، ولا لماذا هذا الاسم تحديدًا وأنا أفكّر في الجنة وعرصات يوم القيامة، لكنه اللطيف الخبير.
الوصول إلى مِنى
نصل إلى مِنى، وهذه هي الأيام المعدودات التي أمرنا الله أن نذكره فيها، فكما يقول الحديث: «أيام مِنى أكلٌ وشربٌ وذكرٌ لله». المياه هنا موجودة دون طلب؛ في كل مكان ثلاجة تمتلئ بالمياه الباردة، وتنتشر طاولات الشاي المغلي والقهوة والفاكهة التي تأتي في موعد كل وجبة. فكيف ستكون الجنة التي قطوفها دانية، ويطوف فيها الولدان المخلّدون بأكوابٍ وأباريق من فضة، لا مجرد مياه معدنية في قوارير بلاستيكية؟
بالطبع لا تستمر نقاشاتي الداخلية في هذه التخيّلات الناعمة، فمخيمي يسكنه نحو ٢٠٠ امرأة من كل الطوائف، فيمتلئ بالضجيج والصراعات معظم الوقت، ليبدو أمر الله بالتزام عدم الفسوق والجدال مبرَّرًا وضروريًا. ومن التحديات أيضًا الطوابير على دورة المياه التي تبدو بلا نهاية.
لكن حين يحلّ المساء وتغيب الشمس بحرارتها، أنظر حولي فأرى أرض مِنى خضراء، تشبه الحشائش كما لو أننا في حديقة متسعة. تتقارب المخيمات فيتزاور سكانها كأنهم على سُررٍ متقابلين، يجلسون في حلقات يتدارسون ويتضاحكون وينتظرون إقامة الصلاة. كل الرجال حليقو الرأس؛ لا يهمّ من أين أتى كلٌّ منهم، لا يهمّ سوى أننا نتشارك هدفًا واحدًا.
مِنى — الأيام المعدودات
لو أن الجنة يتقارب فيها الأحباء دون ميعادٍ ولا تذاكر طيران، وتجمع من غادروا دنيانا… لكفى بها نعمة.
رمي الجمرات
«ربي يجمعنا في الجنة» يقولها أحد العساكر القائمين على العمل عند مدخل مبنى الجمرات، يبتسم ويكمل رشّ المياه على المارّين في ألفة ومحبة رغم حرارة الطقس، وتختلط دعوته بدعوات باقي العساكر: «ربي يتقبّل يا حجاج». نصل إلى الجمرات، ويستقبلنا هواء المكيّف البارد، وكأن إبليس ينهي حظه من البرودة في الدنيا قبل أن يسكن جهنم للأبد.
يتجلّى هنا معنى «سمعنا وأطعنا»؛ فبدونه سيحاول العقل البحث عن المنطق في رمي حجارةٍ بحجارة، لكنه جوهر العبادة الذي يدور حوله الحج. نتلمّس خطى أبينا إبراهيم عليه السلام وهو يكافح الشيطان ويرميه بحصواتٍ صغيرة، كي نختتم بها المناسك. وعند الخروج من مِنى يشتدّ الزحام بشكل يعجز عقلي عن استيعابه، وبالمنطق البشري القاصر يبدو الخروج مستحيلًا — محاكاة أخرى ليوم الحشر وزحامه الموحش. لكن تظل الرسالة واحدة: نحن بحول الله وقوّته، لا بحولنا ولا بقوّتنا البشرية المحدودة.
ختام
هذه الرحلة تنافي قوانين الزمان والمكان المتعارف عليها؛ فما زلت أتعجّب كيف تمكّن جسدي الضعيف من السير كل هذه الخطوات، وكيف تحمّلت الحرارة التي لا أطيقها، وكيف تحمّلت البشر رغم تقصيري، وكيف استوعبت ساعات الأيام كل هذه الأحداث؟ أسئلة ما تزال تدور في ذهني بعد العودة، لا أحاول البحث عن إجاباتها، لكنني أستدعيها كلما ضاقت بي الدنيا.
ولأن النوايا تحرّك الأفعال، والمقاصد تحدّد وجهة القلب، أنصح بشدّة بقراءة هذه الكتب قبل رحلة الحج وأثناء مناسكها، كي يهتدي القلب إلى جدوى كل منسك ويفهم مراد الله منه:
- رحيق البيت العتيق — الشيخ محمد خيري.
- طوفان محمد — د. أحمد خيري العمري.
- كأنك معه — عبد الوهاب الطريري.
اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا.
→ العودة إلى كل الرحلات