إسطنبول
تركيا

إسطنبول — الحب من ثاني نظرة

بقلم أميرة الجوهري
تاريخ الرحلة: ديسمبر ٢٠٢٥

احتاج الأمر زيارتين كي أقع في حب مدينة كإسطنبول.

في المرة الأولى، كانت إقامتنا قرب ميدان تقسيم. الحي بشكل عام صاخب ومزدحم ويحتوي العديد من المقاهي والمطاعم بأسعار سياحية، ولاحظت أن أغلب زواره من دول الخليج ومعظم الباعة يتحدثون بكلمات عربية محاولين اجتذاب المزيد من الزبائن العرب. في المرة الثانية، اخترنا حيًا أكثر هدوءًا وكان اختيارًا موفقًا للغاية، فهو يبعد عن مسجد السلطان أحمد مسافة صغيرة ويطل على مرفأ صغير تسكنه النوارس التي يعلو صوتها عند الفجر وفي المساء. الحي شوارعه هادئة وشاعرية للغاية بما يحتويها من حوانيت ومحال صغيرة تبيع الهدايا والتذكارات.

إسطنبول مدينةٌ خاطفة، تحمل الزائر من تحت ذراعيه لتُراقصه في شوارعها.

ما بين الزيارتين اختلف انطباعي أيضًا عن الأتراك؛ في المرة الأولى واجهنا صلافتهم ومعاملتهم الخشنة وعدم فهمهم للإنجليزية، لكن في المرة الثانية اكتشفت قدرتهم على الابتسام والحديث بودّية عن أنواع الأجبان المختلفة في فطورهم التقليدي، أو عن مدى ندرة حجر الزولتانايت.

بعض الأماكن التي جعلتني أقع في حب المدينة:

المكان الأول

مسجد آيا صوفيا الصغير

الموقع على الخريطة

كان اليوم غائمًا والمطر يهطل ثم يتوقف منذ الصباح. في زيارتي الأولى كنت زرت آيا صوفيا الشهير، وبصراحة أصابني ببعض الإحباط، فالقاهرة بها مساجد عديدة تفوقه إبهارًا وزخرفة وتاريخًا. لكن على بعد بضع مترات منه يوجد مسجد آيا صوفيا الصغير الذي تدلفه بباب من الجلد، ثم يستقبلك مسجد دافئ بمساحة صغيرة تشعرك بألفة محببة وبخشوع يخلو من الزخرفة والزحام.

مسجد آيا صوفيا الصغير
مسجد آيا صوفيا الصغير — خشوع صغير خالٍ من الزحام.
المكان الثاني

حديقة İBB Çatladıkapı Sahil Parkı

الموقع على الخريطة

ليست حديقة بالمعنى المعتاد، لكنه مكان بديع بحق، خصوصًا إن تسنى لك زيارته في الصباح الباكر كما فعلت. كان يخلو تقريبًا من الزائرين ولا تكاد تسمع سوى صوت تنفسك والبحر وبعض النوارس التي تصطاد فطورها. بعد ساعة من جلوسي في هدوء، بدأ هواة الصيد في التوافد ووضع كراسيهم القابلة للثني في مواجهة البحر وتجهيز سناراتهم. يمكنك تجربة الركض أيضًا أو التمشية أو تناول وجبة خفيفة خلال يوم مزدحم.

ملحوظة: البحر هناك هادئ وشاعري وقد يبعثك على البكاء.

المكان الثالث

حي السلطان أيوب

الموقع على الخريطة

لا أظن أنه على القائمة الأولى للزيارات التي يختارها زوار إسطنبول، لكن رغم ذلك، هو حي سياحي ومميز بحق، يتوسطه مسجد يسمى السلطان أيوب وتحيطه العديد من المطاعم والمحال والأكشاك الصغيرة التي تبيع العطور والملابس والحقائب بأسعار مناسبة جدًا (تمكنت من شراء حقيبتين بـ٣٠٠ ليرة). بعد زيارة المسجد وتناول وجبة خفيفة، عليك الذهاب لركوب التليفريك، وينتظرك مفاجأتان:

المكان الرابع

حي زيريك

متحف الحمّام التركي

إن كنت من هواة المتاحف فعليك زيارة هذا المتحف الذي تضم أقسامه شرحًا تفصيليًا لتجربة الحمام التركي وتاريخها؛ متى بدأت، وما دور العاملين بها من مقدّمي خدمة وعمّال تدليك، وهكذا. يحتوي الحي أيضًا على سوق شعبي تفوح منه روائح الجبن والصابون واللحم، وبمجرد زيارتك له ستشعر كما لو كنت أحد السكان لا مجرد زائر.

زيريك
المكان الخامس

برج جالاتا

تقول أسطورة ما إن برج جالاتا وقع في حب برج مايدن، وفرّقهما مضيق البوسفور ليكتفيا بالوقوف على مسافة بعيدة من بعضهما دون أن يتمكنا أبدًا من الاقتراب. يقف برج جالاتا معلنًا نفسه في زهوٍ في كل أرجاء إسطنبول، أكاد أجزم أن بإمكانك رؤيته أينما كنت في بحر إسطنبول. المنطقة الموجود بها البرج تناسب محبي الاحتفال والاستمتاع بالموسيقى خصوصًا في المساء، حيث تتحول المنطقة إلى ما يشبه المهرجان بحيويتها ومزاجها الصاخب. يمكنك اختيار أحد المقاهي وتجربة كيكة الجبن الشهيرة بـ سباستيان تشيز كيك.

برج جالاتا
برج جالاتا يعلن نفسه في زهو فوق المدينة.
مذاق المدينة

الطعام في إسطنبول

لكل مدينة مذاقها، ولإسطنبول مذاقات عديدة تتلخص في الكستناء المشوي الذي يدفئ القلب في الأيام الماطرة، والأنشوجة الصغيرة التي يمكن أكلها في قضمة واحدة، وبالطبع الطعام الأقرب إلى قلبي: الحلزون المحشو بالأرز والغارق في الليمون (يسيل لعابي بالفعل شوقًا لهذه الأكلة).

الوجبة الأخرى التي لا يجب لزائر إسطنبول تفويتها هي شطيرة السمك مع السلطة Balık Ekmek. لست من محبي الأسماك بشكل خاص، لكنها تُصنّف من ألذ الشطائر التي تناولتها في حياتي. إذا ذهبت إلى مرفأ إيمينونو، عليك اختيار الجلوس بالقرب من المراكب التي تحوي المطبخ لتشاهد شطيرتك خلال إعدادها. أعتقد أن هذا ما زاد الشطيرة تميزًا بشكل ما؛ فخلال ٢٧ ثانية يقوم شخص ما بأخذ طلبك، ثم يقوم آخر بفتح الخبز ووضع السلطة وقطعة السمك المشوية ومناولتها لشخص ثالث يقف بين المرفأ والمركب، يتأرجح بينهما كبهلوان يحاول التوازن بين المركب التي تتمايل مع الموج والمرفأ الثابت.

شطيرة السمك Balık Ekmek
شطيرة السمك على مرفأ إيمينونو — عرضٌ صغير يسبق كل قضمة.

في الختام، إسطنبول مدينة كبيرة للغاية ولا يمكن لمنشور واحد تغطيتها، ولكن زيارتها تجربة غنية بحق، تلامس كل الحواس بتفاصيلها.

→ العودة إلى كل الرحلات