بعد ١١ ساعة متواصلة بالطائرة، هبطت في مطار JFK في قلب نيويورك. كانت الساعة ٧:٠٠ صباحًا بتوقيت نيويورك.
استقللت سيارة أجرة إلى البيت الذي استأجرت إحدى غرفه الصغيرة، التي لم أدرك كم هي صغيرة إلا حين وصلت. بعد ١٠ دقائق، وصلت إلى الحي الذي سأقيم فيه، حي كوينز (Queens). بيوت متراصة تشبه تلك التي تعوّدنا أن نرسمها في طفولتنا: أبواب مستطيلة، شبابيك مربعة، وسقف مثلث من القرميد. كان البيت مكوّنًا من طابقين؛ الأسفل لملّاك المنزل، والعلوي به ثلاث غرف وحمام ومطبخ يتشاركها سكان تلك الغرف. ما إن دخلت الغرفة حتى أصابني الفزع والحماس والترقّب.
أنا هنا وحدي في نيويورك، أبعد عن منزلي ما يعادل ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، في مدينة لا أعرف فيها أحدًا.
لم أسمح لهواجسي بإفساد اليوم، فأسرعت بالخروج لاكتشاف الحي. كنت أعددت بحثًا مسبقًا عن الأماكن التي أودّ زيارتها، ووضعت خطة محكمة لكيفية تمضية الوقت، لكن أن تخطّط وأنت جالسة على الأريكة في منزلك تحمل حاسوبك، مختلفٌ تمامًا عن وجودك في المدينة ذاتها.
ما إن ابتعدت بضعة مبانٍ عن المنزل حتى فاجأني أن كوينز حيٌّ فقير يشبه العتبة في القاهرة، يمتلئ بمحال تصليح السيارات، وتقريبًا لم أرَ شخصًا أبيض البشرة طيلة إقامتي في هذا الحي.
حاولت تقليل شعوري بالغربة، فبحثت عن مقهى مألوف، ووجدت فرعًا لـ Dunkin Donuts، فتناولت قهوة مع كعكة محلاة، ثم اتجهت إلى وجهتي الأولى: Queens Botanical Garden. اكتشفت فيما بعد أن وجود الحدائق العامة في قلب المدن الكبيرة أمرٌ عادي، حتى وإن كنا نفتقده بشدة في مصرنا الحبيبة. حديقة ببوابة صغيرة تمتلئ بالأشجار ذات الأخضر الغامق والمسارات المخصصة للمشي. ولأول مرة في حياتي أرى سنجابًا؛ كانت السناجب تسكن هذه الغابة كأنما تسكن القطط شوارع القاهرة، تركض بحثًا عن حبات الجوز الملقاة في أرجاء المكان.
بعدها ذهبت إلى Flushing Meadows Corona Park. حديقة أخرى، لكنها أكثر اتساعًا، وتتوسطها بحيرة يُقام بها مهرجان Water Lantern Festival، الذي لم تتسنَّ لي الفرصة لحضوره.
كوينز · نيويورك
في اليوم التالي، فاجأتني الأمطار بالهطول بشكل هستيري مع رياح شديدة، فاضطررت لشراء مظلة لأول مرة في حياتي. وبعد المسير ١٥ دقيقة، وصلت إلى محطة قطار الأنفاق واستقللته حتى مانهاتن. كانت تلك أول مرة أستقلّ فيها المترو خارج القاهرة، والحق يُقال إن القاهرة تتفوّق على معظم العواصم التي زرتها فيما يتعلق بموضوع قطار الأنفاق.
بعد ٤٠ دقيقة، وجدت نفسي أقف أمام أول ناطحات السحاب التي أراها عن قرب منذ وصولي. أصابتني الدهشة، وظلّت أنظاري معلّقة بالمباني، أحاول استيعاب كل ما أرى من صور متتابعة بدهشة وحماس طفولي، فها أنا في الجادة الخامسة (Fifth Avenue)، حيث صُوّرت مئات الأفلام الأمريكية التي نشأت مدمنةً لها.
الجادة الخامسة — كاتدرائية القديس باتريك
فيما يلي بعض الأماكن التي زرتها خلال إقامتي.
المتحف كبير للغاية، ولا أظن أن زيارة واحدة تكفيه، لكن على الأقل يمكنك تحديد الأجنحة التي تثير اهتمامك والبدء بها قبل أن يُرهقك المشي. بالطبع، حرصت أن أزور الأماكن التي ظهرت في فيلم Night at the Museum. وهالني أن أرى جميع هذه الحيوانات المحنّطة وكأنها طبيعية إلى حدٍّ كبير. يحتوي المتحف أيضًا على العديد من تشكيلات الحشرات والفراشات، ومحاولات لإثبات نظرية الانفجار العظيم (Big Bang)، وبعض هياكل الديناصورات والحيتان.
هنا كل شيء يمكن الاعتراف به كقطعة فنية؛ فها هي الوسادة المحاطة بأسوار معدنية تعبّر عن الكبت أو عدم السيطرة على ما تؤول إليه الأمور، وهنا بضع ملاءات معلّقة تعبّر عن مأساة الرضاعة لدى الإناث. وهنا كرسي يستلقي بشكل عادي للغاية، لكن ما إن تقرأ الشرح المفصّل بجانبه، حتى تؤمن أنه بالفعل عمل فني خارق للعادة.
متحف الفن الحديث · MoMA
ربما كان هذا هو الإحباط الأول منذ زيارتي، فقد توقعت أن أرى ميدانًا بالمعنى الحرفي، لكنه كان شارعًا طويلًا به مكان معدّ لمسرح متنقّل، وتعلوه الشاشات كبيرة الحجم التي يبثّون فيها نهاية العالم أو الأخبار المفجعة أو الفضائح في الأفلام، كما تسكنه العديد من صناديق القمامة المجمّعة، حتى إنني لم أجد مكانًا مناسبًا لالتقاط صورة جيدة.
تايمز سكوير
بالطبع، هو مبنى شاهق الارتفاع، لكنه ساحر. فعند الوصول إلى قمته يمكنك أن ترى كل ناطحات السحاب هذه وكأنها مبانٍ عادية. خلال زيارتي، كانوا يعرضون عدة تماثيل ومشاهد تخصّ فيلم Godzilla؛ وعند التفكير في الأمر بعيدًا عن الخيال، فإن وجود كائن بهذا الحجم العملاق يمكنه تسلّق الإمباير ستيت، أمرٌ غاية في الرعب.
من قمة الإمباير ستيت
لو أن للجنة مثيلًا، لكانت تلك الحديقة أقرب وصفٍ لها: أشجارٌ غنّاء تتعانق دون أن تتلامس، ظلٌّ هادئ يسمح للضوء بالعبور، وبحيرات يسبح فيها البط بلا مبالاة.
يتلوّن كل ركن في هذه الجنة بلونٍ ما، فها هي نافورة Bethesda Fountain تغني مع العازفين حولها، وها هي الكباري التي تربط أجزاء الحديقة تُدغدغ المارّين فوقها، وهذه الأكواخ الصغيرة توحي بسُكنى الأقزام وراء أبوابها الدائرية. لم أتمكن من زيارة كل أجزائها، لكن ستظلّ ذكرى استلقائي على العشب بعد المشي المطوّل محبّبةً إلى قلبي.
سنترال بارك
New York is a live art museum.
فالكل هنا لوحة فنية بذاته، وإشارات المرور مساحة لعرض الأزياء والنكهات المختلفة لساكني المدينة. يبدو ذلك جليًّا في هذا الحي الذي يُعدّ من أغنى الأحياء. لكن لأن القدر يحب الفكاهة، فقد تسلّل إلى أذني صوت عمرو دياب وهو يغني: «يخرب بيتك يا كيف». نظرت حولي، فوجدت الصوت ينبعث من سماعات مطعم Zooba، ذلك المطعم الذي يبيع الكشري والطعمية في قلب هذا الحي الراقي، في تناقض مثير للدهشة.
حي سوهو — مطعم زوبا
إن أردتِ تحدّي قوة تحمّل قدميكِ، عليكِ عبور جسر بروكلين ماشيةً؛ الذي استغرق قطعه حوالي ٥٠ دقيقة من السير المتواصل. لكنني أضمن لكِ عدم الشعور بالملل، ففي كل اتجاه خلفية محتملة لصورة. وبالرغم من التنبيهات على الجسر بعدم الجلوس على السور، لكن إن تحلّيتِ ببعض روح المغامرة، عليكِ التقاط صورة وأنتِ تستندين على السور مبتسمة، بعد أن تُسكتي جوعكِ بحلوى الشوروز اللذيذة.
جسر بروكلين ومانهاتن
حيٌّ صغير، وشوارعه تُشعرك أنك في مهرجان احتفالي، لكن إن كنتِ ستُصابين بالغثيان من مشهد الخنازير المعلّقة كأنها أبقار، فلا أنصحك بدخول الشارع بادئ ذي بدء، ويمكنكِ الاكتفاء بالمرور من Little Italy وتجربة طبق من الباستا الإيطالية، قبل أن تُكملي السير إلى وجهتك التالية.
تشايناتاون وليتل إيتالي
رغم ضيق وقت إقامتي في التفاحة الكبيرة، تمكّنت من زيارة هذا الحي مرتين، حيث يمكنكِ حرفيًا أن تستمعي إلى صوت الهدوء؛ فرغم عدم خلوّ الشارع من المارة، إلا أنه بمجرد دخولك حيّز هذا الحي، تستشعرين كما لو أن أحدًا قد داس زرّ الـ mute. في هذا الحي أيضًا، ستجدين البناية التي يسكنها المقهى الذي صُوّر مسلسل Friends به.
غرينتش فيلدج
إن كنتِ تحبّين الرجوع بالزمن، فزيارة هذه السفينة ستجعلك تمرّين بعديد المشاعر؛ فقد كانت من آخر السفن التي حاربت بها أمريكا اليابان في معركة Pearl Harbor. وبغضّ النظر عن الاتجاهات السياسية، إلا أن تجربة البحّارة والمحاربين الإنسانية تعمّ أرجاء هذه السفينة التي تحوّلت إلى متحف حي؛ حيث يمكنك رؤية الأماكن التي سكنها الجنود والبحّارة، وقراءة رسائلهم المكتوبة بخط اليد إلى زوجاتهم وأبنائهم، كما يمكنك رؤية الطائرات الحربية الحقيقية وهي تتراص على السطح العلوي للسفينة.
متحف إنتربيد
هكذا مرّت أيامي الأولى وحيدةً في التفاحة الكبيرة؛ مدينة أربكتني وأبهرتني في آنٍ واحد، وتركت فيّ من الصور ما لا يتّسع له منشورٌ واحد.
→ العودة إلى كل الرحلات